وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 ۰۵:۳۹  - الثلاثاء  ۲۶  ‫ستمبر‬  ۲۰۱۷ 
رمز الخبر: ۱۱۴۲
تاریخ النشر: ۸:۱۸ - الاثنين ۱۸ ‫مارس‬ ۲۰۱۳
لن تزول شكوى الطوائف في هذا البلد حتى لو حققت مطالبها الراهنة. لا يمكن أن تقوم دولة على قواعد متحركة كالتطور الديموغرافي أو الاجتماعي أو السياسي الذي يغيّر موازين القوى كما هو حاصل على امتداد التاريخ اللبناني.
فشل مسار الوطنية اللبنانية عندما قام نظام سياسي ربط بين التمثيل والمشاركة، وبين المضاعفات الاقتصادية والاجتماعية. حين صارت مواقع التمثيل نفوذاً وامتيازات وتعمّقت باستمرار فقدنا إمكان السيطرة على مشاريع اقتسام الدولة وتقسيمها.

هذا الوضع الخادع عن صحة التمثيل لا حل لتناقضاته وتفجراته إلا بأحد شكلين لا ثالث لهما: مواطنة كاملة الحقوق والواجبات تتوجها شراكة محصورة الأهداف والنتائج، أو شكل من أشكال التقسيم الفعلي. فلا يمكن لبلد أن يعرف استقراراً في طموحات طائفية لاقتطاع نفوذ أكبر كلما سنحت لها فرصة داخلية أو خارجية.

فلا معالجة قانون الانتخاب كافية، ولا التسويات على إدارة الأزمة كافية، ولا أي متغيّر داخلي أو خارجي كفيل بتوطيد شرعية الدولة على مجتمع قاعدة العمل السياسي فيه حصص الطوائف ومصالحها.

ما نحن فيه، بقطع النظر عن المسؤوليات التاريخية، هو ظاهرات شرعية، أي ظاهرات وُلدت من رحم هذا النظام منذ توقف عن إصلاح نفسه، وتطوير الآليات الديموقراطية، وتلاشت فيه سلطة القانون. فلم يعد هناك أي شكل من أشكال المحاسبة الشعبية السياسية، ولا محاسبة قانونية وقضائية. صار المجتمع اللبناني أصلاً بيئة خصبة لنزاع الجماعات، وفرضت تلك الجماعات آليات هذا النزاع وشروطه.

الانهيار السياسي والاقتصادي والأمني، وكل تجليات ذلك في غياب هيبة الدولة وعجزها المتفاقم، مردّه التسليم للقوى الطائفية بأن تعمل خارج رقابة الدولة وسلطتها القانونية ثم الرادعة.

لذلك لا نجد مقوّمات فعلية لمعالجة التسيّب الأمني المادي، أو التحريض أو التصرف بما يوتر العلاقات بين اللبنانيين ويتجاوز على الحق العام والنظام العام، ولا نجد إرادة لتصحيح أوضاع اجتماعية مصدر الخلل فيها نهب الدولة من قوى نافذة، ولا نجد مرجعية قادرة أن تضع قيد المساءلة أياً من الملفات المفتوحة أمام عيون اللبنانيين وأسماعهم، ورائحتها تزكم أنوفهم. فلا تحتاج جرائم من هذا النوع، صارت جزءاً من نمط الحياة السياسية، «إبراءً» قانونياً ما لم تبلغ عتبة القضاء والمحاسبة القانونية. فكل مواطن عادي يعرف، كما يعرف سواه، أن الخراب الذي عمّ مؤسسات الدولة ومرافقها، والمال العام، والشراكة السياسية المالية القائمة بين أرباب السلطة وأرباب المال، لكنه لا يملك أدوات المقاومة في نظام يحوّل هذا النوع من الأزمات إلى حروب أهلية أو حروب سياسية طائفية. وقد صارت مناعة النظام أقوى كلما حملت قوى طائفية مطالب وملفات وقضايا وجعلتها مخصوصة بها وبمشروعها السياسي عن سابق وعي وتصميم.

هذه الحلقة المفرغة، وهذه الدوامة من العبث السياسي أو الاستهتار الوطني، لا يمكن كسرها إلا بترابط وتلازم وتضافر أفكار الإصلاح وقوى الإصلاح ووحدة مشروعها وبرنامجها.

فإذا كانت معركة عادلة، على شكل معركة معظم الموظفين، وحاملة لمصالح فئة وازنة وموحدة ذات هوية وطنية فعلية لم تجد من يسندها من أطراف الطبقة السياسية، فلا معنى لكل شعارات ومشاريع هذه القوى السياسية في سياق فكرة الدولة.

قد لا تكون المعركة الاجتماعية وقواها اليوم قادرة على تعطيل المواجهات الطائفية السياسية وغير السياسية، لكنها ترسم الأفق الوحيد لمعنى السلم الأهلي والعيش الواحد من خلال هوية مطالبها وهوية قواها.

ولعل الانقلاب الأخطر على الدستور وعلى تسوية الطائف ذاك الذي جرى من خلال الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي أمعنت في سلب اللبنانيين حقوقهم ووسائل المطالبة بتلك الحقوق. فهل يبدأ اللبنانيون اليوم في استرداد تلك الحقوق وتلك الوسائل من باب الاعتراف بالمساواة السياسية في ما بينهم وبالعدالة الاجتماعية لفئات الشعب كافة؟


رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: