وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 ۱۳:۲۶  - الخميس  ۱۴  ‫دیسمبر‬  ۲۰۱۷ 
رمز الخبر: ۱۷۱۰
تاریخ النشر: ۱۱:۱۱ - الأربعاء ۰۹ ‫أبریل‬ ۲۰۱۳
أعادت الاتهامات السعودية الأخيرة لناشطين شيعة بتهمة التجسس لصالح إيران التذكير بطبيعة العلاقة المتأزمة بين السلطة وأبناء الأقلية الشيعية.
وهي التي بدت وكأنها أخذت طريقها إلى التطبيع مع مبادرة السلطة للانفتاح على المعارضة الشيعية في مطلع التسعينيات، وما تلاها من لحظات غزل متبادل في مطلع الألفية الجديدة تحت يافطة الحوار الوطني والانفتاح الإعلامي.

كانت الدولة تنأى بنفسها دائماً عن الاعتراف بوجود مشكلة أقليات، وتجد في كل حديث عن اضطهاد وتمييز لفريق أو مجموعة أو مذهب لوناً من التحريض والمساومة السياسية، الأمر الذي يجعل من كل محاولة لتسوية القضايا العالقة بشأن حقوق الأقلية الشيعية مصيرها التجاهل أو التسويف المستمر، ما يفاقم بالتالي من حجم الخيبة ويقلص من مساحة الثقة بين الطرفين، خاصة مع تراجع كل فرص الإصلاح السياسي في هذا البلد، وركون الدولة إلى القبضة الأمنية في إدارة مشاكلها مع الأصوات المعارضة.

لا يمكن القول بأن هذه العلاقة المتأزمة هي نتاج الصعود الديني في أواخر السبعينيات، أي لحظة ولادة الدولة الدينية في إيران، وانبثاق الصحوة السلفية في دول الخليج " الفارسي"، هي تغذت وتوسعت بالإفادة من هذه الظروف المواتية حتماً، لكنها تأسست منذ لحظة بزوغ الدولة السعودية كمشروع شراكة طويلة بين عصبية القبيلة، وسلفية الفكر، بين أحلام عبدالعزيز التوسعية وأوهام محمد عبدالوهاب بدين خالص لا تلوثه الفرق والمذاهب.

هذا الخلل التكويني جعل من مهمة صيانة العلاقة بين الشيعة والسلطة متعثرة دائما، فالوعي السلفي في صيغته الوهابية يحمل في داخله الكثير من مسوغات الخصومة والتنازع مع الشيعة، ولا يجد حرجا في الإعلان عن معاداته لوجودهم وقناعاتهم وما يصدر عنهم من سلوكيات، الأمر الذي دفع الشيعي بالمقابل للتمترس خلف عنوان الهوية المذهبية، والاستماتة في الدفاع عن وجوده أمام كل صور العنف الرمزي الذي تمارسه المؤسسة الدينية الرسمية، في ظل غياب إرادة رسمية لحسم هذا التلغيم المستمر للعلاقة، والذي يجري ترجمته دائما عبر تشكيك لا ينقطع في ولاءات هذا الفريق من المواطنين.

لذلك لم تكن مفاجأة بالنسبة للسلطة أن تجد نفسها في مواجهة مع الشارع الشيعي في أول بوادر الربيع العربي محلياً، فنكوص الدولة عن ممارسة دورها المطلوب في بناء هوية وطنية جامعة من جهة، ورعايتها للعصبويات القبلية والطائفية من جهة أخرى، هو ما يجعل الأقليات الخاسرة أكثر قابلية للتعبير عن احتجاجها، وهي مرشحة على الدوام لأن تكون وقودا للمواجهات السياسية، وأن تختار طريق الانكفاء على هواجسها المذهبية، خاصة إذا ما وجدت أمامها قطيعة من الفرقاء الآخرين في هذا الوطن.

سعت السلطة السعودية مبكراً للعمل من أجل أن لا ينالها شيء من فاتورة الربيع العربي المكلفة، وعملت جاهدة لتطويق حدود انتشاره ورسم خريطة الحقبة التالية له، غير أن الحراك الشيعي في القطيف والذي ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في تجاوز جماعات أخرى لحالة الخوف والدخول في اعتصامات وتظاهرات مطلبية، مثل ما حدث في بريدة والرياض، قد مثل تحدياً حقيقياًَ لصورة الاستبداد المغلقة بالإصلاح التي تروج لها السلطة عبر ماكيناتها الإعلامية، وأعطت للعالم صورة مغايرة لصورة السلطة المستقرة التي لا تؤثر فيها رياح التغيير العربية، ولعل هذا يفيد في فهم طريقة معالجة السلطة لملف الحراك الشيعي الأخير، عبر ربطه بمنابع الإرهاب تارة، والارتماء في أحضان القوى الأجنبية تارة أخرى، وكل ذلك في سياق تشويه الطابع المطلبي والإصلاحي لهذا الحراك، فالسلطة تعلم بأن وصم الحراك بالإرهاب سيكون بمثابة رفع الحصانة عنه، وإبعاد إمكانية التعاطف الدولي معه، كما أن ربطه بقوى خارجية كإيران سيجلب لها تعاطفا على مستوى الشارع المحلي والإقليمي على السواء.

وبهذا اختارت السلطة أن تكتب خاتمة تصعيدية لفصول المواجهة التي استمرت لأكثر من عامين مع المحتجين الشيعة بالإعلان عن اكتشاف خلية تجسسية تعمل لصالح إيران، تضمنت رجال دين وناشطيين دينيين واجتماعيين، خاتمة كلاسيكية سبق وأن تكررت في البحرين والكويت وعمان والإمارات ضمن أشكال مختلفة من الصراع،   غير أن المفاجأة كانت في إعلان النخب الشيعية لرفضها هذا السيناريو، ورفع لهجة النقد لوزارة الداخلية عبر بيان لافت، حمل تواقيع عدد ممن كانوا يوصمون بالاعتدال في علاقتهم بالسلطة، حيث وصفوا الإعلان عن الخلية بأنه إدعاء مرفوض ومريب، واعتبروه لعبا على ورقة الافتراق المذهبي، واستثمارا في الخلافات الإقليمية، ليبدد هذا البيان وما تلاه من بيانات أوهام التجانس بين المجتمع الشيعي والسلطة في صيغتها الحالية.

والحاصل أن تهمة "تجاوز الولاء المحلي" التي حملتها السلطة باتهاماتها الأخيرة ليست سوى إعادة تدوير لمفردات الصراع السياسي مع الأقلية الشيعية، وعودة إلى نقطة الصفر التي يختلط فيها الدين بالسياسة، والإقليمي بالمحلي، ويصبح معها الشعور بالتهديد متبادلا بين الطرفين، والطريق إلى تسوية الملفات العالقة شبه مستحيل طالما ظلت الإرادة السياسية منحازة لخيار انتاج الأزمات بدلا من معالجتها.


رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: