وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 ۰۷:۴۲  - الاثنين  ۲۰  ‫نوفمبر‬  ۲۰۱۷ 
رمز الخبر: ۲۸۱۹
تاریخ النشر: ۹:۵۶ - الأَحَد ۱۳ ‫أغسطس‬ ۲۰۱۳
وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء :
هُنا سقطت اساطير غولاني، هنُا، أسقط مقاومون بواسل اساطير هذه الفرقة رمز جيشهم، هُنا، اسقط هؤلاء وهم قلة نسبة للغزات، اساطير الجيش الذي لا يقهر، هُنا، وعلى اعتاب هذه البلدة الصامدة سقط هؤلاء، سقطوا سقطت مدوية، سقط جنودهم قتلى، سقطوا وخرجوا يجرّون اذيال الخيبة وراؤهم، ما تبقى منهم، يدل على هزيمتهم. هنا القصة قد بدأت.
وفقا لما اوردته وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء في هذا الجزء من منزل المتواضع في بلدة الطيبة الجنوبية، المرابضة قبالة موقع "مسكف عام” الصهيوني، وتلة العويضة المحرّرة، يقع هذا المنزل الريفي الهادىء الذي تحول لاسطورة بعد حرب تموز، منزل، حوى مقاومين في غز أيام الحرب تموز، يوم كانت تنزل الصواريخ من كل حدب وصوب. هنا ناموا، هنا اكلوا، وهنا خطّطوا. منزل بقي مجهولاً، حتى ان اهالي البلدة لا يعرفون قصته، ولا يعلمون اين هو، ولا يعلمون حتى ماذا جرى هنا، ولا يعلمون ايضاً بأن منزلاً كهذا هنا، وذلك بسبب سرّية الأمر.
سبعة سنوات مرّت على حرب تموز، بقي هذا البيت كما هو، كما تركه المقاومون في آخر يوم كانوا فيه، كل شيء هنا بقي على حاله، فقط ان كمية الغبار حاولت ان تغطي ملامح المنزل. "صحن السجائر” هنا على زاوية الباب موضوع كما هو من 7 سنوات. تدخل على هذه الغرفة الموجودة اسفل البيت، ترى ان الغبار غطاه، ترى في عينيك كم من غزّ مرّ من هنا، وتشم رائحة النصر الذي لاح في افق هذا المنزل. تدخل هذا البيت وملئك فخر بما صنعه من كان هنا يوماً ما. ترى على الأرض الفراش التي ناموا عليها، ترى ايضاً سجادة الصلاة التي تواصلوا مع ربهم عبرها، ترى وترى منشفتهم التي نشّف فيها الرجال عرقهم بعد المعركة، ترى هنا كل شي ينضح بالعز.
قال لي من كان معي في هذا اليوم، هذا اليوم الذي كان من اشرف واطهر ايام حياتي، مقاوم كان رفيقاً لهم. قال لي انّ هذا المنزل زاره بعد المقاومين الذين كانو هنا أثنان، شخص رفيع في المقاومة (ولم أعلم إن كان الحاج عماد مغنية او السيد حسن)، و الشاعر السوري عمر الفرّا الذي كتب قصيدته الشهيرة في حرب تموز هنا، تيمناً بهذا البيت، يومها قال، "هنا سجدو، هنا رقدوا، هنا ركبوا براق الله.. رجال الله يوم الفتح في لبنان”.
كان في هذا المنزل شهداء بواسل، قضوا في ملاحم العز في تموز جميعهم، كان منهم الشهيد محمود قعيق "حسان”، وعلي صولي "صافي” وحسن حماة "أبو صالح” وغيرهم. بعد حرب تموز اُغلق هذا البيت بعد ذهابهم إلى جوار ربهم، ومالك هذا المنزل الذي لم يكن في حزب الله قد اغلق هذه الغرفة وكتم سرّها ليس لانه يخجل بها، بل لانه يريد ان تغير الزيارات لهذا المنزل حاله، كان يريده ان يبقى كما هو، كما تركه المقاويمن. كان هذا الرجل يعتبر هؤلاء المقاويم "الشهداء الذين شرّفوه في منزله يوم ملاحم تموز”، هكذا كان يقول عنهم. هو لم يكن يريد ان يغير معالم هذا الغرفة التي تركها هؤلاء الشهداء. هذا الشخص توفي لاحقاً، تاركاً المنزل بأمانة هذا المقاوم، وزوجته التي علمت بهذه الغرفة في منزلها بعد حرب تموز بأشهر.
المقاوم الذي رافقني قال لي: "انت ثالث شخص يزور هذا المكان بعد المقاومين”، كانت رحلتي لهناك قصيرة، ولكن لم اعرف اي طريق سلكت وهذه امور سريّة لدى المقاومة.
رأيت في هذا المنزل ملابس عسكرية تابعة لجيش العدو الاسرائيلي، قال لي المقاوم الذي عرّف نفسه بـ "ابو حسن”، انّ "هذه الملابس هي لجنود قتلهم المقامون الذين كانوا هنا في الاشتباكات التي وقعت منتصف الحرب في احدى مناطق قرية الطيبة، هي ملابس لجنود من كتيبة غولاني الخاصة، ولا تسألني كيف اتينا بها إلى هنا، فهذه قصة لا نستطيع سردها بالكامل”.
وأضاف انه "خلال تلك الاشتباكات التي وقعت في منزل تحصن فيه الجنود الغزات، إستطاع المقاومون ان يقتلو عدداً كبيراً من الجنود، اليهود ومن شدة خوفهم، نزعوا ثياب جرحاهم وتركوها على الارض، وفرّوا كان دليلاً على ما فعله هؤلاء المقاومين بهم. مرّت سبعة سنوات ولا تزال الدماء واضحة عليها. هنا، سراويل إسرائيلي لجندي في غولاني رقمه العسكري مكتوب ويظهر بشكل واضح عليه. سروال ممزق من شدة رصاص وعبوات المقاومين، حيث ان هذا الجندي قد عانى ما عاناه، وذلك بسبب وضوع الاصابات التي تلقاها في جسده من خلال ثيابه، إصابات إخترقت جميع ما في اسفل جسده.
اكياس عسكرية تُحمل على الظهر خاصة بهم، قمصان ملطخة بالدماء، وقمصان عسكرية ايضاً، كلها لجنود إسرائيليون، كلها ممزقة، تدل على انهم قتلوا هنا، وهذا ما بقي منهم، هي لعدة جنود وفق الاراقام التي تبدو واضحة عليها، أحدهم اسمه "دانيال” وهو برتبة مساعد، بحسب ما يظهر، كان في عداد القتلى ايضاً.
في الجهة المقابلة، علب مأكولات إسرائيلية كانت بحوزت جنود العدو، جلبها ايضاً المقاومين إلى هنا لكي تكون دليلاً على ما صنعوا بالغزات، هناك قذائف من شتى الانواع، جزء من هذه القذائف كانت تستهدف هذا المنزل الذي نحن فيه، ولم تكن تصيبه إصابات مباشرة، قذائف اخرى كانت موجودة في مكان المعارك، اتى بها مالك المنزل، لكي تكون ايضاً من دليلاً على ما فعله المقاومين الذين خاضوا تلك المواجهة.
امامي، وهذا اكثر ما اثّر بي، فراش، فراش كان ينام عليها حسّان، وصافي، وفراس، ومحمد، وابو صالح  وغيرهم، كانوا ينامون هنا، كان هنا ابطال مواجهة الطيبة، هنا ناموا، وهنا صلّوا، هُنا جلسوا بقرأون القران، وهناك دخّن السيجارة أبو صالح وحسّان وهي اسماء عسكرية السجائر قبيل المعركة، هذا الصحن الصغير شاهد على اخر سجائرهم. هنا، مسح صافي ماء والوضوء في هذه المنشفة، وهناك ذخّر فراس سلاحه وهنا ايضاً آخر اعد الخطة وقرأ الدعاء.
لحظات مرّت خيّل لي انني كنت بينهم، كان المقاوم "ابو حسن” يسرد لي ما كان يدور هنا، هو كان يحدثني بالوقائع، وانا كنا اسرح في خيالي مطابقاً كلامه على ما اراه، كان يخيل لي انهم امامي يفعلون ما يفعلون.
هذا صاروخ ممدّد على الأرض، سألته "ما هذا”، قال لي هذا جزء من صاروخ غراد "عصلج” ولم يذهب لهدفه. قال: "اتيت به انا إلى هنا، لان احد المقاومين كان يطلقه ولم ينجح وإستشهد هذا الاخ لاحقاً”.
فتحت نور صغيرة في الحائط تُضيء عتمت هذه الغرفة التي حاول الغبار ان يغير ملامحها، فتحت النور تضيء هذه الغرفة، وكأن الشمس تغازل من كان هنا، كأنها تحرسهم وتحرس اثرهم.
ذاك علم أزرق، ما هو يا بو حسن”، قال، هو علم إشارة للجندي الاسرائيلي ليعطي الاوامر للميركافا بالتقدم عبر تحريكه. هذا الجندي قتل، فترك الدبابات بلا آمر، اتينا بهذا العلم ايضاً كدليل على سقوط أسطورتهم الميركافا.
حاولت ان المس فراش هؤلاء علني اجد من رائحتهم شيء، إستوقفني "ابو حسن” بلكنته الجنوبية وإبتسامته البريئة قائلاً: "لا يا خيي تركهي من اثر الشبيب، هني هوني ناموا أخر شي يرضع عليك”. علمت لماذا لم يدخل احد إلى هنا او لم يعمم موضوع هذه الغرفة، كي لا يذهب اثر "الشبيب” المقاومين ويضيع بين الاثار العابرة.
صورهم في المكان شاهدة عليهم، هذه صورة الشهيد محمود قعيق الذي لم يكن اهله يعلمون انه في المقاومة، صامدة فوق فراشه، كأنه يحرس هذه الغرفة التي كانت تُشكل حتياته الاخيرة. عشرون دقيقة في هذه المنزل كانت كفيلة بإعادتي 7 سنوات إلى الخلف، كانت كفيلة ايضاً بتعلقي اكثر في المقاومة، اقسمت فيها على ان لا اترك المقاومة ابداً، او ان ابتعد عن طريقها، اقسمت ان لا ادع احداً يلمسها، لان دماء هؤلاء الشهداء وغيرهم عمّدت هذه المقاومة بالدم وليس من السهل التخلي عنها.
ادمعت عيني عند خروجي، ليس حزناً، بل فرحاً لاني عشت 20 دقيقة في حضرت مقاومين لولاهم لما دست هذه الارض، ولا رأيتها، ولا تحقق نصر ولا هزم باطل. أدمعت عيني على شباب في اول العمر، كانوا شباباً مات في هذا المجتمع من اجل ان يحيى شيب هذا المجتمع. قصصهم كثيرة، وما رويته هنا القليل، علني اكمل الباقي بعد حين. مبارك لهؤلاء الشهداء ما صنعوا. فسماً لن نتخلى عن سلاحكم.
رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: