وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 ۱۹:۴۹  - الأَحَد  ۱۹  ‫نوفمبر‬  ۲۰۱۷ 
رمز الخبر: ۴۲۱۰
تاریخ النشر: ۲۰:۲۲ - الاثنين ۰۵ ‫أبریل‬ ۲۰۱۴
وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء :
قضية الإصلاح في العالم الإسلامي، وخاصة في المناطق التي كانت تحت نفوذ الدولة العثمانية، بما في ذلك الدولة العثمانية نفسها قبل سقوطها، قضية تكاد تكون واحدة، نظرا لتشابه معطياتها التاريخية وتشابه مكوناتها الاجتماعية والثقافية وتماثل نمط التفكير فيها، وتقارب عقليات الناس فيها.
وفقا لما اوردته وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء من الخطإ تجزيء قضية الإصلاح والنهضة والانبعاث، والنظر إليها على أنها قضية جزر وأقطار منفصلة عن بعضها البعض، ليس بينها ما تشترك فيه وما تلتقي عنده، بل النظر إليها من زاوية ضيقة كالزاوية القطرية أو القومية.

كان الخطر الأكبر الذي واجهته الدولة العثمانية والعالم العربي في العصور الحديثة هو خطر حقن الوعي الجمعي بداء الاعتقاد بأن لكل منطقة إشكالاتها الوجودية الخاصة، وبأن لا وجود لإشكال جذري عام. في حين لا يصلح حال الكل والمجموع دون اعتبار قضية الإصلاح قضية واحدة تقوم على أسس واحدة، وعلى أساس كونها بوتقة واحدة يستحيل فصل عناصرها بعضها عن بعض. ولذلك فإن ما قد يعاب على أغلب مفكري الإصلاح هو تفكيرهم في قضية الإصلاح برؤية تجزيئية ضيقة تراعي القطرية والقومية والمذهبية. لقد عاش مفكرو الإصلاح الدولة القطرية ذهنيا قبل اكتمال معالمها واقعيا. بعبارة أخرى لقد كان تفكير النخب في النصف الثاني من القرن السابع عشر وفي القرن الثامن عشر متجها إلى تركيز الدولة القطرية دونما حاجة إلى الإفصاح عن ذلك. لقد عجز نخب الإصلاح برؤيتهم المفتقرة إلى رؤية استراتيجية شاملة عن إدراك البعد الكلي للمشهد الحضاري للعالم الإسلامي، بفعل التأثير الذي مارسه ضغط الواقع، وبفعل الآثار السلبية لاكتشاف التفوق الأوربي.

كان طرح أسئلة النهضة والانبعاث في مركز الدولة العثمانية متقدما زمنيا عن طرحها في العالم العربي. والمتتبع لتاريخ نقاش الإصلاح سيلاحظ بأن الدولة العثمانية رغم سعي بعض سلاطينها إلى إدخال بعض الإصلاحات في الحياة العامة، إلا أن تفكير الدولة ظل محصورا في إصلاح المحيط القريب، ولم ينل العالم العربي من أفكار الإصلاح شيء يذكر، بل لقد حاولت النزعة الانفصالية في العالم العربي إدخال بعض الإصلاحات بعيدا عن المركز وبعيدا عن مطامح الإنسان في مختلف المناطق التي كانت تشكل كيانا واحدا في ظل السلطنة العثمانية.

إن ما جناه المجتمع الإسلامي بظهور الفكر القومي وتجذر نزعاته الفكرية في أذهان النخب، كان أسوأ شيء واجهته هذه المجتمعات خلال مراحل إعادة موقعة الذات من المشهد الحضاري العالمي.. لقد كانت النخب تفتقر إلى نظرة شمولية تبصر بوساطتها مشاكل واقع العالم الإسلامي على أنها مشاكل عامة وليست مشاكل خاصة، الأمر الذي أضاع على النخب وعلى إنسان هذه المناطق بصفة عامة العديد من الفرص، وأضاع الكثير من الوقت والجهد. وهي الحالة التي استمرت مدة طويلة جدا سقطت فيها الدولة العثمانية، وتجزأ الكيان الواحد إلى أقطار صغيرة، وتجزأت بفعل ذلك الأحلام والآمال والطموحات.

مر على الإنسان في العالم العربي ردح من الزمن لم يكن يعرف فيه الشيء الكثير عما يجري في تركيا، بإرادة حينا وبغير إرادة أحيانا أخرى كثيرة. كما مر على الإنسان التركي كذلك ردح من الزمن لم يكن يعرف فيه شيئا عما كان يجري في العالم العربي. وكأن كل طرف جزيرة معزولة في مكان بعيد جدا. لقد أريد لهذا الإنسان أن يقتنع بأن لا شيء يوحد، وبأن المصير مختلف وكذلك المستقبل، وأنه من الصعب تصور تركيا بتاريخها، وماضيها المشترك مع العالم العربي على الخصوص أن تسير مع العالم العربي جنبا إلى جنب من أجل مصير واحد وأهداف واحدة، وعلة ذلك تبدو معروفة تحددها العوامل السياسية والتكامل الاقتصادي، وعوامل أخرى ليس هنا مجال تناولها.

إن أول ما ينبغي تصويبه هو النظرة السلبية التي تجذرت في ذهنية عدد من المثقفين العرب تجاه الدولة العثمانية ومن خلالها الأتراك، وهي نفسها النظرة السلبية التي تعمقت في ذهنية الإنسان التركي تجاه العالم العربي والإنسان العربي كذلك، وهي شعور القطيعة وانعدام القواسم المشتركة.. إن ما حدث بين الدولة العثمانية والعرب، وفيما بعد بين الأتراك والعرب هو نوع من التجسيد للمثل القائل "فرّق تسود"، ولذلك فالعمل على إعادة تصحيح نظرة كل طرف إلى الآخر يقود حتما إلى حصول التقارب وتوثيق الصلة ومد خيوط التواصل، لأن مقومات الوحدة والتكامل كثيرة، والمكونات التي توحد الإنسان قوية، تحتاج إلى أن تزرع فيها الحياة من جديد برؤية تراعي المصالح المشتركة وتراعي المصير الواحد.

في هذا الإطار ينبغي التنبيه على أن النخب العربية والنخب التركية ينتظرهما معا عمل كبير وجهد قوي يستهدف في المقام الأول تعريف كل طرفٍ بالطرف الآخر بما لديه من ثروة ثقافية وأسس اجتماعية وفكرية، وغيرها، ويتوجب على النخب الاقتراب مما عند الطرف الآخر من أجل الفهم والدراسة والتحليل، كما يتوجب عليها التواصل في دائرة المصير المشترك.

إن الغاية المركزية لهذه الدراسة هي محاولة تبين جوانب تبدو معالمها غائبة عن القارئ العربي بصفة عام وعن المهتم في المقام الأول. لأن التحولات الكبيرة، التي عرفتها تركيا خلال العقود الأخيرة بعد سنوات طويلة من العزلة والقطيعة مع العالم العربي، بفعل تحكّم الجيش والفكر السلطوي في الحياة السياسة والثقافية، تجعل من تركيا الحاضر مثار اهتمام الإنسان العربي بمختلف فئاته.

إن تحول تركيا في مدة وجيزة إلى دولة ذات أهمية يصعب تجاهلها، يؤثر إيجابا على صورة تركيا باعتبارها دولة ديمقراطية نامية تسجل اليوم معدلات متقدمة في مجال التنمية البشرية والإصلاح، الأمر الذي يسترعي انتباه النخب المثقفة ويدفعها دفعا إلى محاولة فهم أسباب هذا التحول السريع، الذي مهما ربط بالعامل السياسي والديمقراطي، يظل دون الأسباب الفعلية الكامنة خلفه.

الإنسان العربي مهتم اليوم أكثر من أي وقت مضى بصورة تركيا ويتطلع إلى الدور الحضاري، الذي يفترض أنها ستقوم به مع دول العالم العربي في الشرق على الخصوص وفي العالم على وجه العموم. فلا أحد اليوم يستطيع أن يخفي أن تركيا قد حققت قفزة جديرة بالاهتمام في مجالات النهضة والإصلاح والانبعاث، ومما لا شك فيه أن لهذا الصعود أسبابا وليس أسرارا. ولذلك فهي بالنسبة لفئة واسعة من النخب المثقفة العربية واقعا تتحقق فيه آمال الإصلاح، الذي ظل المثقف العربي يحلم به ويتطلع إليه منذ ما يزيد عن مائة وخمسين سنة، وإذا كان الأمير "شكيب أرسلان" قد طرح سؤاله المعروف "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"، فإن سؤالا آخر ينبغي إثارته في الوقت الراهن، وهو "لماذا دخلت تركيا إلى دائرة الانبعاث من جديد، وأخذت تحقق التقدم المنشود؟ ولماذا ما تزال بعض أقطار العالم العربي تراوح مكانها، ولم تحقق حتى اليوم الحد الأدنى من شروط الانبعاث والنهضة والتقدم؟" ولهذا فإن الأهداف والمرامي التي تبرر القيام بمثل هذه الدراسة، تتلخص في الآتي:

•   محاولة لمس جانب من رؤية المجتمع التركي للكون والإنسان، ولا تدعي الدراسة استقصاء كل معالم هذه الرؤية، لأن هذا عمل هيئة تتخصص في هذا الباب، والمستقبل كفيل بتأكيد أهمية ذلك. لكن الهدف في هذا المقام هو السعي إلى الوقوف على أهم النماذج الفكرية المعاصرة في العالم التركي، والتي يبدو تأثيرها جلي الحضور محليا وعالميا.

•   تجاوز رصد الظواهر إلى تحديد أهم الروافد الفكرية التي تصوغ في الوقت الراهن الخصوصية الفكرية والمجتمعية لتركيا، لأن المتأمل في هذا الواقع لا يستطيع أن يتجاوز حقيقة كونه واقعا متنوعا ومتعددا، بل ومركبا في كثير من الأحيان؛ فالواقع التركي واقع علماني، وتبنّيه لها لم يكن اختيارا سهلا، بل تطلّب العديد من التضحيات والكثير من محاولات التكيف المجتمعي من أجل المحافظة على تماسك اللحمة التركية وحمايتها من الضياع. فرغم حملات التغريب التي قادها التيار العلماني لم يستطع محو روح المجتمع الإسلامية. وإذا لم يكن أحد ينكر أن التيارات الإسلامية قد لعبت دورا ما في الحفاظ على هذه الروح مشعلة في صلب المجتمع التركي، نظرا لما تميزت به هذه الحركات من خصوصيات لا توجد حتما في العديد من الحركات الإسلامية في العالم العربي على الخصوص، فإن تيارات أخرى قد حافظت على هذه الجذوة بدعوتها إلى تبني خيارات أخرى. وهي خصوصية تحتاج هي الأخرى إلى بحث متأن بالتركيز على بعض النماذج الأكثر حضورا، شريطة ألا يكون التركيز على النماذج التي تبدو اليوم حاضرة بقوة في المجتمع التركي في مجال السياسية. بل نتصور أن الحركات الإسلامية ذات الحضور المدني هي الأكثر تأثيرا والأكثر تجذرا في المجتمع من جهة كونها تلامس كافة فئات المجتمع، وكونها أكثر قربا من هموم المجتمع وأكثر انخراطا في تفعيل طاقة المجتمع الكامنة.
رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: