وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 ۰۹:۵۸  - الخميس  ۱۴  ‫دیسمبر‬  ۲۰۱۷ 
رمز الخبر: ۴۹۴۷
تاریخ النشر: ۱۱:۲۸ - الاثنين ۲۳ ‫یولیو‬ ۲۰۱۴
وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء :
دموع عفوية، وصادقة وحارقة تنهمر من دون سابق إنذار على الهواء مباشرة أثناء نقل مراسل الجزيرة من غزة وائل الدحدوح لمظاهر الخراب، وما خلفته من كوارث، كانت أبلغ تأثيرا لواقع الحال في حي الشجاعية الغزاوي، عبَرَت بسرعة البرق الفضاء لتسكن قلوب عشرات الملايين من المشاهدين والمتابعين في كل مكان، الذين أوصلت لهم صورة حقيقية ودقيقة لما خلفته الآلة الحربية الإسرائيلية من مآس لم يكن بوسع كاميرا المحطة بثها بتلك الصورة المؤثرة.
وفقا لما اوردته وكالة (نادي المراسلين) العالمية للأنباء لحظات بعد المشهد الذي لم يستوعب «الحدود الوهمية» الفاصلة بين الموضوعية المفروض على المراسل مراعاتها، وبين الواقع الذي يعيش كل تفاصيله على مدار الساعة، انتشر بسرعة فيديو باسم «دموع مراسل الجزيرة وائل الدحدوح على المباشر تأثرا بالمجزرة التي ارتكبتها إسرائيل».

المشهد الذي سجل منذ أيام قليلة فقط، بدأ يحطم كل الأرقام القياسية في عدد المشاهدات التي بلغت الملايين، والتعاليق والمشاركات في كل المواقع الإلكترونية، ووسائط التواصل الاجتماعي والمنتديات محليا ودوليا.

وتحول الخبر إلى حدث بارز في سياق التغطية المكثفة التي تقوم بها المحطة التي تبث من الدوحة للأحداث المتواصلة في غزة وتكشف جرائم العدوان الإسرائيلي على المدنيين وما حصدته من مآس.
وتواصلت «القدس العربي» مع وائل الذي يكشف تفاصيل حصرية عن الظروف السابقة للمشهد، مشيرا إلى أنه «لحظات بعد الهدنة تحرك فريق الجزيرة بسرعة فائقة إلى حي الشجاعية، وكلهم عزم على نقل الصورة إلى العالم بعد أن دكت إسرائيل البنايات على الأرض بمن فيها، فكانت الصدمة واضحة على وجوه الجميع من أفراد طواقم الإسعاف، ومتطوعي الهلال الأحمر، والإعلاميين، لحالة الدمار الشاملة التي عمت المكان».

وأضاف واصفا بعضا من تفاصيل المشهد أن «أشلاء الجثث كانت منتشرة في كل مكان، ومتناثرة على الجدران، ولون الدم الأحمر القاني يملأ الفضاءات، والجثث العارية على الشوارع، وكانت أخرى مكورة فوق الركام».

ويقول وائل: «وصلنا إلى بيت عائلة الشيخ خليل، وجدنا أكثر من سبع جثامين لأسرة واحدة مع امرأة مسنة تحتضنهم، وكانوا جميعا يحتمون تحت الدرج، ورغم ذلك استهدفهم القصف الوحشي وأصابهم حيث هم».

ويشير وائل إلى أن «رائحة الموت كان تشتم في كل مكان، ورائحة البارود تزكم الأنوف، وتسكن المأساة المنطقة، وكانت كل خطوة إلى الأمام تعني المزيد من صور الجثث في كل ركن قصي، وتأوهات الجرحى تصم الآذان، بسبب فظاعة القصف الذي تعرضوا له، وظلوا لساعات من دون كهرباء، ولا رعاية صحية. ويقول أن هؤلاء الضحايا والأبرياء هم شهود على وحشية العدو الذي زرع البؤس في كل شبر من هذه الأرض، لكنه لم يقتل روح المقاومة لدى الاهالي التي عايشها.

وسجل مراسل الجزيرة نداءات استغاثة لطفل كان يصرخ بحثا عن والده، وأخرى لامرأة ترجو مساعدة العالم الذي ظل يتفرج على عدوان غاشم، من دون أن يتدخل، وتحاول يائسة حشد همم الضمائر الحية منهم.

ويكشف وائل الدحدوح أن الإعلاميين كانوا يبذلون كل ما بوسعهم ليَثبتوا أمام هول مناظر البشاعة، وينقلوا للمشاهدين صورا حقيقية عما يحدث رغم كل الصعاب والتحديات.

وطاقم الجزيرة لوحده تعرض لقصف متكرر لثلاث مرات في غضون فترة قصيرة وعلى الهواء مباشرة، واستُهدِفت سيارته، ومع ذلك كانت الهِمًّة سيدة الموقف، لإيمانهم بعدالة القضية.

ويروي مراسل الجزيرة تفاصيل اللحظات التي سبقت المشهد الذي تأثر به ملايين المشاهدين على مستوى العالم.

وأشار إلى أنه بعد أن أنهى الفريق بسرعة مهمة نقل حقيقة المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في حي الشجاعية وخلفت نحو 70 شهيدا، وعاد إلى مكتبه حاول جمع كل تفاصيل المشهد لنقلها على الهواء مباشرة إلى المشاهدين التواقين لمعرفة المزيد عن الحدث بعد أيام من القصف المتواصل بعيدا عن أعين الإعلام.

ويكشف قائلا وبتأثر: «وأنا أنتظر دوري في الحديث مع الزملاء في الأستديو الرئيس في الدوحة، أثار سؤال زميلتي المذيعة عواطفي، وتحركت المشاعر، دون إرادة ولم أستطع لجم الصور المأساوية التي تدفقت دفعة واحدة على ذاكرتي في نفس اللحظة وكان الأمر جدا صعب وليس بوسع أيّا كان أن يتجاوز هذا الموقف لو كان ضميره حيا» ويضيف أن «المراسل يحاول أن يكون دوما متماسكا ولديه الشجاعة لذلك، لأداء الرسالة باحترافية عالية وبشكل موضوعي، لكن لما يكون هو طرف في المعادلة وله أهل وأقارب وأولاد وأحباب يراهم يتعرضون لنفس الأخطار فمن الصعب تجاوز هذه التفاصيل والتجرد منها بسهولة، لأن النزعة الإنسانية في قلب أي صحافي أو إعلامي تتغلب في الأخير على جوانب الموضوعية والحياد غير المبرر الذي يظل في مرات كثيرة نظريا ومجاف للحقيقة الصعبة التي يراها المراسل ماثلة أمامه بكل تفاصيلها السلبية».

وشارك وائل الدحدوح مع معجبيه في صفحته على الفايسبوك الفيديو وكتب لهم «المناظر التي تشاهدها في حي الشجاعية لا يمكن أن تتمالك نفسك أمامها».

إبراهيم هلال: «وائل الدحدوح من أبرز مراسلي الجزيرة» يؤكد إبراهيم هلال مدير الأخبار في قناة الجزيرة في الدوحة، أن زميله وائل مشهود له بالكفاءة، وبخبرته كمراسل حرب متمرس، وشهد العديد من الأزمات، وغطى على مدى أزيد من عشر سنوات للجزيرة أحداث مأسوية بشكل احترافي.

ويعتبر أن اللحظة التي لم يتمكن فيها الدحدوح من تمالك أعصابه وهو الخبير بمثل هذه المواقف، يجعل المشاهدين يتأكدون لا محالة أن ما لم تنقله الكاميرا من أهوال كان أعظم ويدمى للقلب، ويزلزل كيان أي إنسان بضمير حي.

ويشير هلال الذي عمل في عدة محطات دولية، وعلى رأسها «بي بي سي» البريطانية بضوابطها الصارمة، أن كاميرا الجزيرة كانت تركض بكل ما لديها من إمكانية لنقل بعضا من الحقائق الموجودة على أرض الميدان في اللحظات التي أتيحت لها بعد الهدنة التي أعلنت في حي الشجاعية ولم تلتزم بها إسرائيل، وقصفت المكان مجددا، وكادت تقضي على طاقم المحطة.

ويضيف أن وائل كانت عينه المجردة تلتقط بدقة بشاعة المناظر، وتشم رائحة الموت المنتشر، وكان شاهدا بكل أحاسيسه وجوارحه على المأساة المروعة ولم يستطع وصف كل هذه المشاهد التي اختزنتها ذاكرته أمام الشاشة، واختزالها في عدد قليل من الكلمات، في ثوان معدودة، لهول المصاب الذي تعرضت له عشرات أو مئات الأسر التي فقدت كل ما لديها وبشكل فضيع.

وأضاف مدير الأخبار في المحطة التي خصصت حزمة ساعات مكثفة لنقل الحدث، أن كل من كان حاضرا لحظتها في غرفة الأخبار تأثر للموقف، وتأكد أن ما شاهده في الصور التي تبثها القناة أقل بكثير من الحقيقة التي عاينها زميلهم وائل التي كانت أخطر وأبشع في عبثيها وما سببته من دمار لكل شيء للإنسان، وللأرض، وللأنفس.

المدرب والإعلامي يوسف الشولي: «المراسل جزء من المشهد الإنساني»

من جانبه يؤكد الإعلامي المخضرم يوسف الشولي، والمحاضر في مركز الجزيرة للتدريب، أنه من الصعب جدا أن يكون المراسل أو الإعلامي محايدا في حالات القتل والدمار التي يعاينها أمامه، وهو شاهد عليها بكل تفاصيلها الدقيقة التي قد لا تنقلها الكاميرا كاملة للناس. ويضيف الشولي الذي سبق أن درب مراسلين كثر عبر سنوات من العمل، أن أي إعلامي لا يمكنه أن يتجرد نهائيا من إنسانيته إن كان هو أصلا جزء من الحدث مثلما كان عليه حال زميله الذي كان شعبه وأهله يقتّلون ويشردون، وتغتال أحلام أطفالهم، فلا يستطيع في مثل هذه الحالات أن يكون محايدا في نقل الصورة بعموميتها وبتجرد سيكون غير متوافق مع الحدث.

ويعتبر الشولي الذي قام من قبل بتنسيق تغطيات خاصة للجزيرة من غزة ومن الأراضي الفلسطينية: «من المستحيل أن نطلب من الصحافي التجرد من أحاسيسه، وعواطفه، وفي نفس الوقت نرغب أن تكون لدينا صورة كاملة عن الحدث الذي يغطيه، وهو أيضا يعايش كل تفاصيل المشهد المدمر، وسط وقع قذائف تسقط حواليه، ويشاهدها وهي تحصد أرواح الضحايا وغالبيتهم أطفال أو نساء ومدنيين أبرياء».

ويقول يوسف أنه في دوراته التدريبية يؤكد على المراسلين أن يلتزموا الحياد ولا يكونوا منحازين لأي طرف في الصراع وفق الضوابط المهنية العامة التي تدرس في الجامعات والمعاهد. لكن هذا الأمر «سيكون ضربا من المستحيل وكلاما غير منطقي لصحافي يعيش أجواء مجزرة مثل الشجاعية جعلت أشلاء الأطفال والضحايا متفحمة في كل مكان، وبؤس مغروس في أرواح الناس أينما ولى بوجه» يضيف.

ويشير الشولي الذي عايش هو الأخر حروبا، وغطى لشاشة الجزيرة أحداثا مماثلة في كل من أفغانستان وباكستان والعراق، إلى أن المراسل في ظروف عدة لا يمكنه أن يتعامل مع الضحايا والمجازر التي ينقلها على أنها أرقام مجردة يلقي بها كيفما اتفق أمام المشاهد.

فالمتلقي برأيه ينتظر من الصحافي أو من المحطة، أكثر من مجرد حصيلة سطحية يمكنه أن يقرأ عنها في أي جريدة أو موقع إلكتروني في ظل الانتشار الرهيب لوسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل كل التفاصيل، لكن من دون العمق الذي تنقله القناة التي تتبنى قضية. ويستشهد الإعلامي الفلسطيني بالكثير من النماذج المماثلة في عدة دول في مشاهد إنسانية سكنت وجدان الصحافي ولم يتمالك نفسه أمامها ولم يكن بوسعه أن يتعامل معها بجفاء وبحيادية تكون مصطنعة.

ويقول أنه سبق للمراسل الذي غطى حادث انتشال رجال الإنقاذ طفل من تحت أنقاض بناية هدمها الزلزال، وعّبر لحظة تكللت جهودهم بالنجاح عن فرحته وغبطته على الهواء مباشرة. ويختم الشولي قوله أنه «في حالات الألم والمراسل يشاهد مناظر الدم لأهله وهي في كل مكان من الصعب أن يحافظ على استقلاليته عنها».

وسبق لمذيعين ومراسلين كثر في قناة الجزيرة أن تعرضوا لمواقف مشابهة، كانت صعبة وليس بالسهولة ضبط النفس أمامها.

ويتداول في الانترنت حتى الآن فيديو تظهر فيه مذيعة المحطة خديجة بن قنة في تأثر واضح وهي مندمجة بكل كيانها في تغطية العدوان الإسرائيلي على غزة، وانهمرت دموع جمال ريان هو الآخر على الهواء مباشرة في تغطية مشابهة، ونفس الحادثة تعرضت لها غادة عويس.

ويتلقى المشاهد العربي عادة مثل هذه المواقف بتأثر ويندمج معها بشكل وجداني لإحساسه بالألم الذي تخلفه هذه الأزمات خصوصا في المجازر التي ارتكبتها الألة الحربية الإسرائيلية في عدوانها المتكرر على غزة في عمليات عدة، وعلى جنوب لبنان.

رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: