فهمي هويدي : بانتظار مبادرة شجاعة لمواجهة الأزمة ...

وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 ۱۲:۲۷  - الأربعاء  ۲۳  ‫أغسطس‬  ۲۰۱۷ 
رمز الخبر: ۷۸
تاریخ النشر: ۸:۵۸ - الخميس ۳۱ ینایر‬ ۲۰۱۳
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
حتى إذا بدا الأفق مسدوداً والاحتقان في مصر على أشده والانقسام حتى النخاع، فإن الأزمة ليست بلا حل.لئن قيل إن فهم المشكلة يمثل نصف الطريق إلى حلها، فإن ذلك ينطبق على ما نحن بصدده أيضاً. وفى محاولة الفهم ينبغي أن نضع في الاعتبار ما يلي:

ــــ إن ما تشهده مصر الآن أقرب إلى الهزات الأرضية التي تظل تتوالى بعد حدوث الزلزال، إن ذلك من طبائع فترات الانتقال التي تعقب الثورات، وما تستصحبه من تحولات كبرى تستهدف بناء نظام جديد فوق أنقاض ومخلفات النظام السابق.
ــــ إن الثورة تسلمت مصر بعدما تم تدميرها على مختلف الأصعدة. نلمس ذلك في كلام وزير النقل حين قال إن 85 في المئة من قطارات السكة الحديد انتهى عمرها الافتراضي. وحديث وزير الصحة عن انتهاء العمر الافتراضي لأربعة آلاف مستشفى. وتصريح وزير الشباب بأن 42 في المئة من المواطنين محرومون من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والصرف الصحي والمياه النظيفة. وهو ما أكده وزير المرافق الذي نشر على لسانه قوله إن 50 في المئة من قرى مصر محرومة من الصرف الصحي، الأمر الذي يعني أن صحة 40 مليون مصري في خطر. وقبل أيام سمعت من وزير التربية والتعليم أنه يحاول جاهداً معالجة آثار الانهيار إلى حل في قطاع التعليم بسبب تراكمات وإهمال السنوات السابقة، حتى باتت الوزارة بحاجة إلى 50 مليار جنيه لكي تؤدي وظيفتها بشكل مرض يطمأن إليه. وهذه مجرد أمثلة فقط ترسم ملامح التركة الثقيلة التي يتعين على النظام الجديد أن يتحمل عبئها.
ــــ إن الخراب تجاوز قطاعات الخدمات والإنتاج وطال أكثر مؤسسات الدولة، وأصاب في مقتل الحياة السياسية فيها. وهذه الأخيرة تهمنا لأنها وثيقة الصلة بالأزمة الراهنة للثورة المصرية. ذلك أن التدمير الذي أحدثه النظام السابق لم يكتفِ بتقزيم بعض الأحزاب السياسية وإصابتها بالإعاقة، وتحويل البعض الآخر إلى أبواق للسلطة وأجنحة للحزب الحاكم فحسب، وإنما أدى إلى تشويه علاقات القوى السياسية، وحرق البدائل المستقبلية للنظام. وكانت نتيجة ذلك التشويه والإخصاء ــ إذا جاز التعبير ــ أن القوى السياسية التي ظهرت بعد الثورة بدأت الرحلة من الصفر. فلم تبلور مشروعاً، ولم تألف العمل مع بعضها البعض، حيث لم تكن هناك حياة أو ممارسات ديموقراطية تسمح بذلك. فلا تبادلت الثقة في ما بينها، بل وأساءت الظن ببعضها البعض.
ــــ هذه الخلفية تفسر لنا لماذا كانت الثورة بلا مشروع وبلا قيادة أو زعامة، لأن الممارسة والسياسة بأشكالها وأوعيتها هي المختبر الذي يتم من خلاله اكتشاف القيادات وإنضاج خبراتها. وهو ما يدعونا إلى القول بأن الذين تصدروا واجهات السياسة بعد الثورة لم يكونوا مبرأين من التشوهات التي أصابت رؤى وعلاقات القوى السياسية في ظل النظام السابق، كما أنهم كانوا عديمي الخبرة السياسية، حيث ظلوا دائماً ــ وفي أحسن فروضهم ــ على هامش السياسة وليس في قلبها. وصاروا كمن دخل إلى الحلبة بغير تأهيل أو تدريب. وكانت الجماعات الإسلامية ضمن هؤلاء، إلا أن وضعها كان أكثر تعقيداً.
(2)
سأتحدث عن الوضع في مصر، ليس فقط لأن الصورة التي أعنيها أكثر وضوحاً فيه، ولكن أيضاً لأن مصر هي الدولة العربية الأكبر التي يمكن أن يؤثر مصير الثورة فيها على مستقبل الربيع العربي كله. ذلك أن الجماعات الإسلامية في مصر، وعلى رأسها «الإخوان المسلمون»، أتيح لها لأول مرة منذ أكثر من ستين عاماً أن تشارك في الحياة السياسية بصورة شرعية، بعدما ظلت محظورة طوال تلك السنوات.
لقد شاءت المقادير أن تنتقل تلك الجماعات من موضع المطارَد من جانب السلطة إلى موقع الشريك في السلطة، بل المتربع على رأسها. هذه النقلة فوجئت بها الجماعات الإسلامية ولم تتحسب لها. لذلك فإنها أصبحت مواجهة بتحد جديد يتمثل في كيفية تحويل الشعارات والتعاليم إلى سياسات. وهو ما لم تكن مضطرة إليه طوال سنوات الإقصاء بسبب الانسداد الديموقراطي الذي أخرجها من المعادلة. وكانت النتيجة أنها عانت الارتباك، ولم تنجح في التعامل مع الوضع المستجد واستيعاب المشهد الذي فرض عليها الانتقال من إدارة الجماعة ومحيط الأنصار إلى إدارة الوطن بفضائه الذي يموج بأطياف عدة تضم مخالفين ومتوجسين وخصوماً.
التجربة التركية نجحت في التعامل مع ذلك التحدي بسبب الهامش الديموقراطي الذي سمح للحركة الإسلامية بالمشاركة في الانتخابات منذ العام 1970، من خلال حزب النظام الوطني الذي أسسه حينذاك الأستاذ نجم الدين أربكان، صحيح أن الحزب تعرض للملاحقة والحل عدة مرات، لكنه ظل حاضراً بفضل الهامش الديموقراطي الذي سمح لقياداته بالعودة إلى المشاركة تحت مسميات جديدة. المهم في التجربة أن المشاركة التي لم تتوقف سلحت كوادر الحزب بخبرات جيدة في العمل العام، من خلال الاشتراك في البلديات والبرلمان والحكومة. لكن الأهم من ذلك أنها سمحت لتلك الكوادر بتطوير أفكارهم وإنضاجها، الأمر الذي دفع بعضاً منهم إلى الخروج من عباءة حزب أربكان (الذي كان قد حمل اسم الرفاه) وتأسيس حزب جديد في عام 2011 بقيادة كل من رجب طيب أردوغان وعبدالله غول، ولأن هذه المجموعة كانت قد تمرست، ونجحت في وضع سياسات خدمت الناس وتفاعلت مع مختلف فئات المجتمع، فإن الحزب فاز بأغلبية الأصوات في انتخابات عام 2002، ولا يزال يواصل نجاحاته إلى الآن مدعوماً بأصوات الأغلبية.
(3)
هذه الخلفية توفر لنا عدة مفاتيح لفهم خلفيات النخبة التي تتصدر المشهد السياسي في مصر. وبالتالي تضع أيدينا على أهم جوانب الأزمة وجذورها. ذلك أننا بإزاء نخبة فاقدة الثقة في بعضها البعض، وتقوم علاقاتها على التصيُّد. وقد عبر عن ذلك الدكتور حازم الببلاوي نائب رئيس الوزراء السابق، الذي نشرت له جريدة «الشروق» مقالا في الثالث من شهر أبريل الماضي (عام 2012) تحت عنوان دالّ هو: التربص وعدم الثقة. ذلك أن تلك المجموعات المختلفة لم يتح لها أن تعرف أو تعمل مع بعضها البعض بسبب الغياب الطويل للديموقراطية. بالتالي فإنها لم تتسلح بالخبرة السياسية التي تمكنها من أن تدير خلافاتها على النحو الذي لا يضر بمصالح الوطن، لذلك لا يستغرب منها أن تستسلم للانقسام وتقع في فخ الاستقطاب بسرعة. وإذا كانت القيادة السياسية ممثلة في رئاسة الجمهورية تنتمي إلى نموذج للمرجعية الإسلامية التي لم تطور مشروعها بحيث تحوله من شعارات وتعاليم إلى سياسات ورؤية وطنية واضحة المعالم، فلا يفاجئنا أن تغيب عنها الرؤية التي تطلق مبادرات تشحذ الهمم وتحقق الإجماع الوطني. وللإنصاف فإن غياب الرؤية والمشروع ليس مقصوراً على إدارة الرئيس محمد مرسي وحدها، ولكنها سمة للأحزاب الجديدة والقوى المعارضة أيضاً، التي ظل مشروعها المعلن على الملأ على الأقل محصوراً في العمل على هزيمة الرئيس مرسي و«الإخوان» والتنديد بالخطوات التي اتخذها طوال الأشهر السبعة التي قضاها في السلطة، من دون أن تجيب عن السؤال: ما الذي ينبغي عمله في اليوم التالي لإعلان هزيمته وهدم ما بناه؟
(4)
ما العمل إذن؟
قدر الدكتور محمد مرسي أن يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية مواجهة الأزمة باعتباره رئيس الجمهورية والطرف الأهم في المعادلة. لست ألغي الطرف الآخر أياً كان تقييمنا له. لكنه يظل في المقام الثاني من المسؤولية. وللأسف فإن دعوة الرئيس إلى الحوار الوطني لم تؤخذ على محمل الجد. لذلك فإن الحديث مجدداً عن ذلك الحوار سوف يستقبل بفتور وربما بإعراض من الأطراف الأخرى.
مع ذلك فالحوار لا مفر منه ولا بديل عنه في نهاية المطاف، إلا أن نجاحه مرهون بضمانات الجدية التي تتوافر له، وتلك ينبغي أن تكون جزءا من حزمة إجراءات إعادة الثقة المفقودة بين الطرفين. التي على الرئيس أن يقدمها من جانبه مهتدياً في ذلك بأمرين أساسيين هما: تحقيق وحدة الجماعة الوطنية، والالتزام بأهداف الثورة.
إن هناك أكثر من سبب أسهم في إحداث الانقسام وتعميقه في مصر (في نصوص الدستور وقانون الانتخابات مثلا)، ولذلك فإنه سيكون من الحكمة والشجاعة أيضاً أن يعلن الرئيس عن التزامه بالاستجابة لتحفظات المعارضة بخصوصها، حتى إذا لم يكن مقتنعاً بأهمية أو جدية تلك الأسباب، لكي يزيل أسباب الانقسام ويستعيد الثقة المفقودة. وستكون شجاعة منه إذا بادر بالإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مع الانتخابات النيابيــة التي يفــترض أن تتم بعد ثلاثة أشهر. وليته أيضاً يدعو إلى فتح ملفات السياسة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتعليم والعشوائيات وغيرها من هموم المصريين، من خلال مجالس تضم أبرز الخبرات والأطـياف المصرية لتقدم لنا رؤية واضحة للمستقبل الذي تطلعـت إلـيه الثــورة. وبالمناسبة فإن الدكتور عماد شاهين، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، له أفكار محددة ومقترحات جيدة بخصوص المبادرات الشـجاعة المرجوة من الرئيس مرسي وإدارته، ولست أشك في أن الخبراء من أمثاله لديهم مقترحات أخرى جديرة بالنظر للخروج من الأزمة. ويظل من المهم أن تتوافر الإرادة ويستوعب الخيال حلم الوطن ويظل قابضاً عليه ومتشبثاً به.
رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: