وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

 ۱۵:۴۵  - الأَحَد  ۲۴  ‫ستمبر‬  ۲۰۱۷ 
رمز الخبر: ۸۷۹
تاریخ النشر: ۱۲:۳۱ - الخميس ۰۷ ‫مارس‬ ۲۰۱۳
في صيف عام 2011 قررت تركيا الاطاحة بنظام الأسد البعثي في دمشق ، وقد بذلت تركيا كل ما يتطلبه تنفيذ هذا القرار من جهود وما يحتاجه من امكانيات (1). حيث ساعدت منظمات سورية محددة فاتحة لها حدودها لاستقبال المتطوعين من شتى أنحاء العالم. الدور التركي في تسليح المعارضة هو السر الذي اصبح معروفا على نطاق العالم كله.
 وبرغم معارضة حلفائها الغربيين عملت تركيا بنشاط على ايجاد منطقة عازلة داخل سوريا بعد أن وفرت لها كل أشكال الدعم ، بما فيها التدخل العسكري المباشر من قبل قواتها العسكرية داخل الاراضي السورية ، وبرغم ذلك كله لم تستطع تحقيق النجاح.

لقد ابدت بعض العواصم الغربية قلقها من رد تركيا غير المتناسب على قتل خمسة من مواطنيها من قبل القوات السورية ، والتي كان يمكن أن تشعل حربا بين البلدين غير مرغوب فيها. وبحسب تقارير المحللين السياسية الأخيرة ينظر الى تركيا باعتبارها البلد الذي تعمد أن يجعل من نظام مجاور له عدوا ، وانه من الطبيعي أن يشعر نظام البعث السوري الشعور نفسه تجاه تركيا.
لكن لماذا تفعل تركيا ذلك تجاه بلد لم تدخل معه في نزاع حدودي أو قيامه بنشاطات تضر بمصالح تركيا ..؟
فهل يمكن تفسير الموقف العدائي ضد سوريا بكونه موحى به من الحلف الأطلسي الذي تشكل تركيا فيه حجر الزاوية في منطقة الشرق الأوسط. وحتى هذا الاحتمال غير وارد من الناحية السياسية ، فالحلف منذ قيامه لم يشكل تهديدا مباشرا ، ولم يتعامل مع سوريا كدولة عدوة وان اعتبرتها الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي واحدة من محاور الشر. الاحتمال الأكثر قبولا هو تمهيد الطريق لقصف المنشآت النووية الايرانية ، وتحقيق هذا الهدف يتطلب ازالة عقبتين.
العقبة الأولى : وتتمثل في الترسانة العسكرية السورية التي تشكل قوة لا يمكن تجاهلها في حالة شنت اسرائيل غارات جوية على منشآت ايران النووية. ولهذا فتتدخل الدولتين تركيا واسرائيل لأجل تحييد سوريا ، وذلك لمنع قيامها بأي دور لعرقلة الغارات الجوية الاسرائيلية ضد ايران. لكن هذا الافتراض غير عملي لأن علاقات سوريا بايران كعلاقة الغصن بالشجرة الأم. وبناء على ذلك تعمل تركيا واسرائيل حاليا ومنذ حوالي السنتين على تعطيل الدور السوري بشكل مطلق بقطع الغصن عن الشجرة.
وهو ما يجري تنفيذه حاليا عن طريق انهاك سوريا حتى الموت ، وحتى لو لم يطح بالأسد فان الترسانة العسكرية السورية لنظامه لن تكون مؤهلة للعب أي دور في الدفاع عن ايران.
العقبة الثانية : وهي ازالة التهديد الذي يشكله حزب الله اللبناني ، وهذا يموت سريريا بمجرد تعطيل الدور السوري ، ومع ذلك سيحتاج الى بعض الضربات الاستباقية لتعطيل بعض أو أغلب قنوات الاتصال بينه وبين كل من ايران وسوريا ، وقد يسبقه بعض الاغتيالات لبعض قادة حزب الله كما اعتادت اسرائيل أن تفعل ذلك.

الدور التركي في تنفيذ خطة الاطاحة بنظام الأسد قد أنيطت بتركيا باعتبارها دولة مسلمة ، وتحتفظ بعلاقات مع دول عربية واسلامية يمكنها من تسويق دورها المناهض لنظام الأسد ضمن موجة الربيع العربي. 

ما تقوم به تركيا هو في واقع الحال دور الخادم الأمين لاسرائيل ، فقد اختارت أقذر المهام التي لا يقوم بها الا أسوء الخلق وأرذلهم. فهي تطيح بنظام دولة مجتمعها اسلامي هي سوريا ، لتيسر للاسرائيليين ضرب دولة ايران ، وهي جارة ومسلمة هي الأخرى ، وتقوم بالمهمة لصالح اسرائيل أيضا.

وتكذب وتناور على الشعب الفلسطيني بكونها أمينة على مصالحه في حين هي تستخدم الفلسطينيين كغطاء لعملياتها القذرة لصالح اسرائيل. هذه الأدوار مجتمعة لا تقوم بها دولة حرة ذات سيادة ، وذات شخصية معنوية محترمة ، ففي الشخصية الأردوغانية تتجمع كافة سمات الشخصية العميلة للاستعماريين ، لكن أن تقوم بدور العميل في زمن زال فيه الاستعمار ، فانه قمة الاستهانة بالشعب التركي ، وبالشعوب الحرة كلها. اقصاء سوريا من التحالف مع ايران كان ضروريا لاخلاء الطريق لاسرائيل لمهاجمة ايران لعرقلة برنامجها النووي.

تركيا الأردوغانية في هذه الحالة لا تخاطر بمستقبل وجودها ، لأنها تعرف جيدا ان المجتمع التركي لا يمكن أن يتقبل تحالف بلاده مع اسرائيل ضد الدولة الاسلامية ايران. خيارا كهذا يصعب ترويجه داخل تركيا ، برغم وجود مؤيدين كثر لهذا الخيار داخل الحلف الاطلسي ، لكن تركيا لن تقدم على ذلك بأي ثمن ، وبناء عليه اختارت طريق معاداة سوريا حليف ايران الأكثر قبولا من قبل المجتمع التركي ، وسارعت الخطى باقامة تحالف غربي ضد سوريا لصالح اسرائيل. وللظهور بدور المساند الجريئ للفلسطينيين أرسلت عدة رسائل اعلامية تبين موقفها المسرحي الجديد من القضية الفلسطينية. 

فبعد بضعة أيام من تصويت الأمم المتحدة لصالح مقعد مراقب للسلطة الفلسطينية ، استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أنقرا استقبال رؤساء الدول ، حيث أطلقت على شرفه ا2 طلقة مدفع تحية له ، وصل صداها كل انحاء العالم ، لا حبا بعباس أو فلسطين بل للتغطية على تآمرها هي واسرائيل ضد سوريا بهدف تغيير نظامها الحالي والاتيان بسلطة تقطع علاقات التعاون مع ايران وحزب الله اللبناني. 

لقد تصورت تركيا أنها بالحفاوة التي أحاطت بها محمود عباس تقنع العرب بانها الحليف الطبيعي لهم باعتبارها دولة اسلامية وهي في الوقت الذي تدافع فيه عن حق الشعب الفلسطيني ، فهي الآن في الخطوط الأمامية ضد اسرائيل. 

البعض القليل من سذج العرب قد صدق الادعاء التركي ، لكن الأكثرية التي خبرت السياسة الخارجية التركية تعرف حقيقة المواقف التركية ولا تحفل بها. الحفاوة التركية بالرئيس الفلسطيني ليست أكثر من رسالة شفوية للشارع العربي ، عبر عنها السيد عبد الله غول رئيس الجمهورية بقوله : " ان اسرائيل تلعب بالنار ، نحن ندين قرار بناء المستوطنات ". لهجة " الغول " التركي واضحة الهدف فهو كمن ينقر على الدف وسط جمع راقص من المعتوهين . 

لكن قبل أن يقوم أردوغان باقناع نفسه بكونه نصيرا للعرب وأهلا للثقة جاءه الرد صفعة على الرأس من داخل تركيا لا من العرب ، بل من رئيس حزب المعارضة الرئيسي CHP في تركيا السيد كيليدار كولو. لقد تحدث كولو عن فضيحة يصعب لسياسي أوربي أن يواجه شعبه بعدها أبدا ، لكن تركيا مثل أردوغان لا يدخل الخجل قاموسه السياسي أبدا. (1 )

لقد أزاح السيد كيليدار كولو النقاب عن مفاوضات سرية تركية - اسرائيلية حول اقامة قواعد لبطاريات صواريخ باتريوت. وقال كولو : " ان اقامة قواعد صواريخ باتريوت في تركيا اخيرا من قبل الناتو هي في حقيقة الأمر لحماية اسرائيل". وقال أيضا : " اذا كان اردوغان صادقا في موقفه من اسرائيل فعليه التوقف عن التعاون مع الناتو. وان اردوغان في موقفه الظاهر من اسرائيل هو بالأساس موجه لكسب تأييد الشارع العربي ".

فقبل عدة اسابيع وافق مجلس النواب الألماني ارسال بطارتي صواريخ باتريوت الباليستيكية الاعتراضية الى تركيا استجابة لطلب الحلف الأطلسي ، لنصبها على حدودها مع سوريا تحسبا لتعرضها الى اعتداء من قبل النظام السوري ، هكذا أعلن عن الخبر. تشكل البطاريتان جزء من ستة بطاريات قرر الحلف الأطلسي نصبها في تركيا على أن تتبعها اثنتان من كل من الولايات المتحدة وهولندا. وسيتم نصب البطاريتين الأمريكيتين في مدينة كازيانتب ، أما الألمانيتين ففي مدينة كهرمانماراس ، بينما تنصب الهولنديتين في مدينة أدنا. (2)
ستكون البطاريات الستة جاهزة للعمل في كانون الثاني الحالي من السنة. أدنا وهي من أكبر المدن التركية وتقع فيها أكبر قاعدة أمريكية للطيران العسكري في منطقة الشرق الأوسط هي انجيرليك وتبعد مائة كم عن الحدود السورية ، بينما تنصب الأربعة بطاريات الأخرى على بعد 60 و150 كم على التوالي.
المشكلة ليست في النفاق الذي يمارسه كلا من عبد الله غول وطيب أردوغان ، بل بوجود عربا تدفعهم سذاجتهم لتصديق النفاق الذي يمارسه ساسة تركيا في العلن. وفي مقابل عبارات التملق للرئيس الفلسطيني يرسلون الأسلحة والقتلة من شراذم عصابات الاخوان المسلمين وفلول القاعدة والسلفية ليشاركوا في قتل المواطنين السوريين وتدمير مدنهم ومنشآتهم المدنية والعسكرية والأمنية. وتتناقل وكالات الانباء صورا فظيعة عن الارهاب الذي تمارسه عصابات منفلتة ضد من تعتبرهم موالين للنظام السوري.
فقد نشرت الصحيفة البريطانية The Daily Mail بتاريخ 31-12-2012 تقريرا مقززا لمراسلها في دمشق Nick Fagge جاء فيه : (3)
أن مجموعة من المقاتلين ضد نظام الأسد قد اختطفوا مواطنا سوريا يعمل سائق تاكسي بحجة أن أخيه قد قال عن المعارضة للنظام أنهم " قطاع طرق ."وبعد تعذيب الرجل وعمره 38 عاما واسمه أندريه أرباشي قطعوا رأسه أولا ، ثم جسده وأعطوه للكلاب السائبة لتأكله. مثل هذه الممارسات الوحشية لا يمكن أن تنسب لانسان في قصص الرعب ، فكيف اذا كانت تمارس في شوارع سورية باسم المعارضة. فأي مجموعة معارضة تنسب لنفسها عملا ارهابيا وحشيا وجبانا في الوقت نفسه مثل هذا ، وهل يبقى أي مغزى أو مصداقية لنشاط معارض ينهج هذا الاسلوب الاجرامي لتحقيق برنامجه...؟ 

استمرار التورط التركي في سفك الدماء السورية يفقد أردوغان صوابه ، فقد أوقعه في أزمة مع حلفائه في الناتو الذين تعهد لهم بأنه سيأتي لهم بمفاتيح السلاح الكيماوي بمجرد صرخة ألله أكبر، فهو على مايبدو قد أجرى حسابا غبيا لقدرات النظام السوري على البقاء. قد تكون حساباته التي اعتمد عليها قائمة على تقييم حليفته اسرائيل ، وهذه أرادت أن تدمي انفه واذلاله قبل أن يحقق أي نصر مهما كان صغيرا أو تافها كان يحلم به في سوريا. فأردوغان قد صدق نفسه من دون الناس جميعا كونه زعيما اسلاميا تتوجه الأنظار نحوه ، يمكن أن يحتل دورا ما في الخريطة السياسية للشرق الأوسط الجديد. 

الآن وبعد حوالي العشرين شهرا من بدء الاحتجاجات السلمية والمطالب الديمقراطية ، وحوالي العام منذ اختطاف راية تلك الحركة السلمية من قبل المنظمات الارهابية التي باشرت اعمال العنف والتخريب ، ما يزال النظام قادرا على الدفاع عن نفسه. وتمكن لحد اليوم من البقاء برغم كل محاولات الأردن واسرائيل وتركيا وبقية دول الناتو بما لهم من ثقل استخباراتي وتخريبي ، هذا اضافة الى أموال الخليج وقنابله البشرية التي ألحقت الدمار بالبنية التحتية التي استغرقت جهد الشعب السوري لعشرات السنين.
لكن الى متى ستستمر ماكنة القتل اليومي في سوريا ، بينما تقف الأمم المتحدة متفرجة .. ولا تتدخل لوقف نزيف الدم وتهجير الناس من ديارهم ..؟

يظهر أن تنفيذ السيناريو مستمر ولم يكتمل بعد. فما هي صورته المتخيلة من وجهة نظر هذا المقال ..؟ فهي كالآتي :
أولا : تدمير ترسانة السلاح السوري . 
ثانيا : تعريضه للنهب وفق ما تم في ليبيا والعراق ، بمشاركة شبكات التخريب الأجنبية والاسرائيلية التي ستكون حاضرة في المكان. 
ثالثا : القضاء نهائيا على الحليف العربي الوحيد لايران على الأقل في المستقبل المنظور.
رابعا : وضع نهاية للتهديد الذي يشكله حزب الله اللبناني ، بأي ثمن ومهما كانت الضحايا البشرية. وعندها فقط يمكن التعامل مع التهديد الايراني ، وبذلك تخلو الساحة الشرق أوسطية من أية قوة عسكرية ذات شأن يمكن أن تشكل تهديدا لاسرائيل في المدى الطويل. 
خامسا : انهاء الحلف الاسلامي الهش بين تركيا السنية وايران الشيعية. فلتركيا هفوات لا يمكن لحلف الأطلسي التغاضي عنها كونها تشكل خرقا للمعاهدات الجماعية بين اعضاء الحلف. فقد قامت تركيا مع البرازيل عام 2010 بمعارضة قرارا لمجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على ايران بسبب سياستها النووية. 

لكن بعد موافقة تركيا على " ستراتيجية الناتو الجديدة " التي تم تبنيها في قمة لشبونة عام 2010 من قبل جميع الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي ، أصبحت سارية المفعول وملزمة لكافة الحلفاء الغربيين. تركيا التي وافقت على نصب نظام الصواريخ الدفاعية البالستيكية للناتو على أراضيها تكون قد وافقت على الأستراتيجية الجديدة ، و بذلك تكون قد تخلت تلقائيا عن اتفاق سابق لها مع ايران يقوم على سياسة الصفر من المشاكل معها.

للمزيد من الاطلاع انظر :
1-Kadri Gursel , Turkish Daily Milliyet , Nato Patriot Missiles Show Turkey s Military Weakness ,28/12/2012 

The Daily Mail , 31/12/2012 2-
3-Tulin Daloglu , Turkeyes Preference For Rhetoric Over Diplomacy In Dealing With Israel , Al Monitor.com 23/12/2012
_________________________

الرابط :
رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: