وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

رمز الخبر: ۲۰۶۹۳
تاریخ النشر:  ۱۹:۳۹  - الثلاثاء  ۲۰  ‫مارس‬  ۲۰۱۸ 
كتب وزیر الخارجیة الایرانی محمد جواد ظریف المقال التالی فی صحیفة العربی الجدید تحت عنوان : نحو نموذج أمنی جدید فی المنطقة:

طهران- وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء- وضعت الهزائم النكراء التی مُنی بها تنظیم داعش فی العام الأخیر حداً لمشروع الدولة الإسلامیة فی العراق والشام، و أجهضت علي الأرض، وبشكل جدی، تیار التطرف والعنف، بعد أن جرّ منطقتنا إلي إحدي أكثر الحقب التاریخیة خسراناً ودماراً. وعلي الرغم من ذلك، لا تزال أنشطة الإرهاب والتطرف قائمة، وتشكل تهدیداً للمنطقة وللعالم، نظراً لشبكاتها المنتشرة علي نطاق واسع فی شتي بلدان العالم.

لا یزال الحؤول دون اتساع رقعة التطرّف یحتل مقام الأولویة فی سلم الاهتمامات. وها نحن قد تخطینا، وعلي الأرض، تحدّی الدولة الإسلامیة المصطنعة فی العراق والشام، إلا أن ثمة مسافة بعیدة تفصلنا عما نتوخّاه من ظروف أمنیة مستتبة. وما نواجهه نحن، وسائر اللاعبین الإقلیمیین فی هذه الحقبة التاریخیة، یتمثل فی ثلاثة تحدیات أساسیة: الإدراك الصائب للواقع الراهن. بلورة قناعة مشتركة للوضع المنشود للمنطقة. السبل الكفیلة ببلورة هذا الوضع. علي أن من شأن تجاوز هذه التحدیات علي النحو المؤمل تأمین مقومات الرخاء والأمن والأمان لأبنائنا.

لفكرة 'المنطقة القویة' جذور فی الرؤیة الاستراتیجیة التی تتمتع بها الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة إزاء محیطها الإقلیمی، وتعنی القبول بمبدأ تأمین المصالح الجماعیة، وضرورة احترامها وتعمیم مبدأ الربح لكل الأطراف فی المنطقة، ونبذ دوافع التفوق والنزعات التسلطیة وإقصاء سائر اللاعبین.

'لفكرة 'المنطقة القویة' جذور فی الرؤیة الاستراتیجیة التی تتمتع بها الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة إزاء محیطها الإقلیمی'
وعلیه، سیتوقف تأمین مصالح أی من دول المنطقة علي تأمین مصالح جمیع الدول فیها. ومع أن التنافس بین البلدان علي خط التنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة لا بأس فیه، إلا أن العمل علي النزوع للتسلط واستبعاد الخصوم للتحول إلي قوة طاغیة لا یعد فقط أمراً بعید المنال، بل سیثیر أجواء من التوتر، فضلاً عن تعذر تطبیقه من حیث المبدأ.

كما أن هذا النوع من التنافس لن یؤدی إلا إلي بلورة حلقة مفرغة وهدامة، لا تنتج سوي التوتر المزمن والنزاع الدائم. من هذا المنطلق، یجب الكفّ عن ممارسة السیاسات الهدامة، وصولاً إلي قناعة مفادها: إن فی مقدورنا، نحن المسلمین، تحقیق الاستقرار والأمن والسلام والنمو الاقتصادی فی منطقتنا، وعلینا أن نسعي إلي ذلك.
وحیث تواجه منطقتنا أنماطاً من المشكلات، كالإرهاب والأزمات البیئیة وازدیاد حالات الهجرة وما شاكلها، فإن سباق التسلح الهدام وإیجاد أجواء التوتر بین البلدان الجارة هو بمثابة تحمیل شعوب المنطقة مزیداً من الأعباء والتكالیف، فی الوقت الذی بلغت معدلات النفقات العسكریة لجیراننا فی منطقة الخلیج الفارسی، أعلي مستویاتها عالمیاً، مقارنة مع إجمالی ناتجها المحلی. ولن تؤدی هذه السیاسات إلا إلي تكریس التوتر وعدم الثقة، بالإضافة إلي هدرها الثروات الحیویة فی المنطقة، وتكدیس خزائن الناهبین من صناع الأسلحة، الأمر الذی لن یتكلل إلا بمزید من المغامرات الكارثیة، والنزاعات المدمرة، ما لن یدع أمامنا من سبیل سوي البدء بتفعیل سیاسات بناء الثقة والطمأنینة، واعتمادها علي صعید المنطقة.

ونظراً إلي الواقع السائد فی عالمنا المترابط، والظروف التی تعیشها منطقتنا، والخلیج تحدیداً، فإن الآلیات التی كانت تتبع قدیماً لبلورة التحالفات قد بطل مفعولها وتلاشي تأثیرها. وبالتوازی، فقد مهدت بعض التباینات الدیموغرافیة والقدرات الاقتصادیة والعسكریة لإثارة هواجس أمنیة دائمة لدي البلدان الأصغر حجماً ودفعتها إلي الاعتماد علي قوي أجنبیة، والعیش فی أوهام شراء الأمن، أو توریده من خارج المنطقة.
تتمثل آلیة الخروج من هذه الدوامة العبثیة والخطرة فی استحداث شبكة أمنیة، یساهم فیها جمیع بلدان المنطقة، فی إطار أسلوب عمل مشترك، یتطلب التزام دول المنطقة بثوابت وقواعد مشتركة، مثل مبدأ المساواة بین الدول، وعدم اللجوء إلي التهدید أو القوة، وحل الخلافات بالطرق السلمیة، ومبدأ احترام وحدة التراب، وعدم تدخل أی دولة فی شؤون الدول الأخري، واحترام حقها فی تقریر المصیر.
وقد نجحت هذه التجربة فی مناطق أخري، اختبرت فیما بینها سنوات من الحروب وسفك الدماء، علي الرغم من أن مصالحها المشتركة، علي الصعیدین السیاسی والاقتصادی، كانت أقل بكثیر مما تتمتع به بلدان منطقتنا. وعلیه، لیس ثمة دلیل لفقدان الأمل فی إمكانیة نجاح هذه التجربة فی منطقتنا.
لا تصبو الشبكة الأمنیة إلي استبعاد الاختلاف فی الرؤي، أو غض الطرف عن المشكلات التاریخیة، بل هی أسلوب یحول دون تزاید النزاعات والتحالفات المرحلیة العقیمة. وفی هذا السیاق، تعكف جمیع بلدان المنطقة علي اتخاذ الشبكة الأمنیة ركیزة وقاعدة للتعاون من أجل بلورة تدابیر مستدامة تحصّن الأمن الإقلیمی. وانطلاقاً من هذه الرؤیة، یتعذر تعریف أو ضمان أمن دولة، أو مجموعة من الدول، بمنأي عن أمن الآخرین. لذلك ینبغی التخلی عن الأطروحات القدیمة العقیمة، لتحل محلها آلیات تشخص، بل وتنتج مجالات للتلاقی فی إطار
'لا تصبو الشبكة الأمنیة إلي استبعاد الاختلاف فی الرؤي، أو غض الطرف عن المشكلات التاریخیة، بل هی أسلوب یحول دون تزاید النزاعات والتحالفات المرحلیة العقیمة' المصالح المشتركة، وتسهم فی تعزیز فرص التعاون بین بلدان المصالح المشتركة، وتفعیل الحوار فی حال تباین وجهات النظر، وحدوث خلاف بشأن تلك المصالح.
ولبلوغ الاستقرار واستتباب الظروف الأمنیة المطلوبة، علینا التحرّك فی ظرفنا الراهن، وأكثر من أی وقت مضي، نحو الحوار واتخاذ خطوات علي صعید بناء الثقة وتعزیزها. فنحن فی غرب آسیا نعانی من تدنی فرص الحوار والتفاهم علي المستویات كافة، وحكوماتنا بحاجة إلي بلورة أشكال من الحوار المطمئن، أكثر من قبل، كی تحقق إدراكاً متبادلاً، وتتعرّف كل منها إلي الأخري. وبفضل هذا الحوار، سیتضح أن لجمیعنا حالات قلق ومخاوف وطموحات وتمنیات متماثلة نوعاً ما. وبإمكاننا، بحكم الجغرافیا والمشتركات التاریخیة والثقافیة والدینیة، تسخیر أوجه الحوار والتعاطی الإیجابی لما فیه مصالح شعوبنا. فی وسع هذا الحوار، بل یجب أن یحل محل التراشقات اللفظیة، والبیانات الدعائیة، غیر المجدیة، والتی نتخاطب بواسطتها عبر وسائل الإعلام.
الحوار هو إحدي أهم الوسائل الكفیلة بإزالة مناخات عدم الثقة، لكن الحاجة تبرز أحیاناً، إلي جانب الحوار المباشر، لاتخاذ تدابیر ما، للحد من أجواء القلق السائد. لذلك، یجب أن یقترن الحوار بتدابیر لا غني عنها، علي صعید بناء الثقة، یتصدرها تبادل المعلومات فی شتي المیادین، كما أن تحاشی حالات سوء الفهم وتجنب التصرفات المثیرة للتوتر تدخل، هی الأخري، فی عداد الأهداف الرئیسة لتلك التدابیر. علاوة علي ذلك، ثمّة عوامل أخري فی مقدورها أن تمهد لأرضیة خصبة، تفضی الي اعتماد إجراءات مطمئنة، تتمثل فی تعزیز التواصل بین الشعوب، كتشجیع السیاحة والتعاون فی المجالات المشتركة؛ الاقتصادیة والتجاریة بوجه خاص. كما یمكن أن تتصدر جدول أعمال أیة مباحثات مواضیعُ مثل تشكیل فرق عمل مشتركة فی شتي الحقول، بدءاً من السلامة النوویة، ومروراً بإدارة التلوث البیئی والكوارث الطبیعیة والزیارات العسكریة المشتركة، والإشعار بإجراء المناورات العسكریة قبل إطلاقها، واعتماد الشفافیة فی مجال التسلح، وتقلیص النفقات العسكریة، وصولاً إلي اعتماد معاهدة عدم الاعتداء.
انتهي

رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: