وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء

رمز الخبر: ۵۷۹۷۹
تاریخ النشر:  ۲۰:۱۸  - الأربعاء  ۰۶  ینایر‬  ۲۰۲۱ 
بقلم هناء سعادة/الصحفية و الکاتبة الجزایرية
حلت علينا منذ أيام السنوية الأولى لرحيل الفريق قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في حرس الثورة الإيراني الذي اغتيل رفقة مرافقه أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي، بضربة جوية أميركية قرب مطار بغداد في 3 كانون الثاني/يناير 2020، أثناء زيارةٍ إلى العاصمة العراقية، حيث استهدفت طائرات العدوان الأميركي السيارة التي كانا يستقلانها.

ستبقى مدرسة الشهيد سليماني العابرة للجغرافيا و الإنتماءات شوكة في حلق الكيان الصهيوني و القوى الإستكبارية

طهران- وكالة نادي المراسلين الشباب للأنباء- وجاءت هذه الزيارة لنقل رد على الرسالة السعودیة عبر الحکومة العراقیة، لکن اغتیاله الجبان حال دون نجاح جهوده السلمیة.

لعب الشهيد دورا جوهريا في دحر قوى الإستكبار العالمي وأذيالها من أنظمة الشر ، وأيضا التنظيمات الإرهابية الدموية، على رأسها تنظيم داعش الذي عاث في الأرض فسادا. دأب الشهيد على العمل العسكري الميداني، متنقلا من جبهة إلى أخرى ومن بلد لأخر طيلة 40 عاماً، منذ أن عيّن، سنة 1980 أثناء الحرب العراقية الإيرانية، قائداً لفيلق "41 ثأر الله"، أحد فيالق الإقتحام و المواجهة المباشرة، وكان آنذاك في العشرينيات من عمره، فارضا نفسه في هذه السن المبكرة بفضل قدراته القتالية الجبارة.

صقلت تجربة تلك الحرب القاسية شخصية ذلك الشاب المغوار الذي أمضى آنذاك 8 أعواماً متواصلة، لم يكن خلالها يزور عائلته إلاّ أياماً معدودات. إستجاب القائد لنداء المستضعفين في كل مكان، فتارة نراه في العراق و تارة أخرى في سوريا، فلم يعرف عنه الجلوس خلف الطاولة و إصدار الأوامر للجنود كما يفعل أغلب القادة.

وقد أولى قاسم سليماني أهمية بالغة للملف الفلسطيني و تطوير قدرات المقاومة و المقاومين، فكان له حضور طاغ في الساحة الفلسطينية، ما يثبت عزم الجمهورية الإسلامية الإيرانية على نصرة الفلسطينين و قضيتهم العادلة، فساهم في تطوير قدرات المقاومة الفلسطينية على المستويين الاستراتيجي والميداني. و في هذا الصدد، يثمن المجاهدون الذين ابتعثوا إلى الجمهورية الإسلامية بداية الألفية الثانية ومطلع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)، الجهد الذي بذله مدربو فيلق القدس في حرس الثورة من أجل تعزيز قدرات المقاومة الفلسطينية من جميع النواحي.

يروي محمد حميد، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أنه و في ذلك الوقت، كان تصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة يعتمد على وسائل بدائيةٍ، وكان ابتكار الصواريخ أقرب إلى المبادرات الفردية الشخصية اعتمدت في بعض المحطات، على خبراتٍ عسكريةٍ وعلميةٍ قديمة، ربما يكون قد جاوزها قطار الزمن، مضيفا أن المدربين من فيلق القدس، تحت إشراف القائد الشهيد قاسم سليماني، كانوا يجتهدون في إحضار المواد البدائية، ويتابعون مع المجاهدين الطريقة التي يعملون بها في فلسطين، ويحاولون محاكاة الظروف وتحسين الواقع الخاص بعمليات تطوير التجارب الصاروخية. ومن ثمّ عملوا على تحسين المواد المستخدمة في التصنيع، لتكون أكثر دقةً في التصويب والرمي، وأكبر قدرةً في الوصول إلى أهدافها. كل ذلك كان سبباً في امتلاك المقاومة الفلسطينية لاحقاً قدراتٍ صاروخية أكبر مدىً وأكثر فاعلية، وأصبحت بذلك جزءاً من الاستراتيجية الدفاعية للشعب الفلسطيني، الذي أصبح قادرا على ردع العدو الصهيوني الذي يستبيح التراب.

كما يكشف السيد محمد حميد عن إشراف سليماني بشكل مباشر على عمليات نقل الأسلحة وتهريبها إلى قطاع غزة المحاصرة حصاراً مطبقاً، من خلال عمليةٍ معقدةٍ ومتعدّدة الأقطار، مضحيا بالغالي و النفيس من أجل نصرة إخوته المستضعفين، ما مكن المقاومة الإسلامية من أن تزخر بترسانة من الأسلحة المحلية والدولية. فقد عمل الشهيد على نقل تجربة الصواريخ الذكية، التي تكاد لا تخطئ أهدافها، إلى المجاهدين في فلسطين، وأدخل بنفسه تقنية الطائرات المسيّرة في خدمة العمل الجهادي للمقاومة في فلسطين.

مكنت هذه الصواريخ المقاومين في فلسطين من التصدي و الرد على أي عدوانٍ صهيوني ، وإلحاق ضرباتٍ قاسية بصفوفه . فلأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، تم إطلاق صواريخ الكاتيوشا وصواريخ فجر الإيرانية، وغيرها من الأسلحة النوعيّة مثل الكورنيت ومضادات الطيران.

من جهته، يؤكد عضو المجلس السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين خالد البطش هذا الطرح، قائلا: "لقد أضاف سليماني ابعاداً مختلفة للمقاومة الفلسطنية...وسع عمل المقاومة فكان يؤمن لها كل ما تحتاجه حتى تشتد قوة. لقد كان الحاج قاسم روح المقاومة في فلسطين. كان بدعمه نبض المقاومة وخاصة فيما يتعلق بسرايا القدس وكتائب القسام وحركات المقاومة الأخرى سواء الحركات الإسلامية أو الوطنية، ولم يكن سليماني يفرق بين حركات المقاومة هذه في قطاع غزة....".

في حين يوضح مسؤول مكتب حركة "حماس" في طهران خالد القدومي، أن الحاج قاسم لبى نداء الجهاد وجاء إلى دمشق وشاهد عن كثب في غرفة العمليات المشتركة بين كتائب القسام وحماس النهج الإستراتيجي، وكان له تأثير لا ينكر في تقدم "حرب الفرقان" التي أطلق عليها الاحتلال عملية "الرصاص المصبوب" عام 2008.

وليس ببعيد عن فلسطين، فقد احبطت جهود هذا البطل المغوار خطط أميركا في العراق، وسوريا، و لبنان، مسقطا راية تنظيم "داعش" الصهيو أميركي في المنطقة، حيث إنتفض لنصرة كل من توجه ضده سهام الظلم و الإستكبار، بغض النظر عن عرقه و دينه و طائفته و إنتمائه السياسي. و كمثال عن ذلك، يقول مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان السابق: "لما صارت داعش على الأبواب ووصلت إلى مشارف أربيل وكان الخوف أن تحتل المدينة قريباً. لذا اتصلت بـ23 دولة أستجير بها ولم تستجب لي أية واحدة منها. وعندما اتصلت بسليماني وصلني المدد خلال ساعات وتم درء الخطر عن أربيل".

و يضيف هيرالدو ريفييرا أحد أهم المحللين الأميركين أن سليماني دافع عن الأقليات المسيحية في سوريا والعراق، عكس الغرب الذي سلّم مصيرها لداعش وأخواتها. كما يجمع محبو سليماني وكارهوه على دوره المحوري في القضاء على داعش في سوريا والعراق ولبنان، ففي عام 2014 تصدرت صورة الشهيد سليماني غلاف مجلة "نيوزويك"، مرفوقة بعبارة "حارب أميركا أولاً والآن يسحق داعش".

كما صرح رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية ديفيد باتريوس بأن "سليماني كان من الباقين للتصدي لداعش"، فقد نجح في تشكيل مدرسة جهادية فريدة من نوعها مرتكزة على منظومة عابرة للطوائف تمتد من أفغانستان إلى اليمن مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى غزة، مستقطبة جيوشا من أبناء العالم الإسلامي الذين هبوا لمجابهة داعش حتى القضاء عليها ما قض مضجع الأعداء، الذين، كما جاء على لسان المرشد الإيراني السيد خامنئي، هرعوا في بداية العام المنصرم، أي قبيل أيام من عملية اغتيال سليماني، إلى عقد اجتماع في غرف التفكير الأميركية، حول قاسم سليماني و خلصوا إلى أن هذا الرجل مانع كبير في مقابل أهداف أميركا، ما يجب تصفيته.

غير أن هذا الحديث لم يكن وليد الساعة، فالتخطيط لإغتياله كان جاريا لعقود من الزمن، كما صرح به رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو نظرا للإنتصارات الهائلة التي حققها منذ تعيينه قائداً لـفيلق القدس.
وقد أدرجت السلطات الأميركية إسمه في قائمة "المستهدف"، بحسب وثيقة قانون قدمت إلى الكونغرس في أواخر عام 2007، لكونه مسؤولاً عن مقتل ما لا يقل عن 20% من قتلى الجيش الأميركي في العراق.

من هنا إنطلقت البروباغاندا الأميركية بالترويج لشخصية سليماني، مطلقة عليه أسماء عديدة بما يناسب هدفها: "قائد الظل"، "فارس الظلام"، "العدو اللدود". وقد وصفته مجلة "فوربس" الأميركية بأنه ثاني أقوى وأخطر رجل فى العالم لعام 2011.

وظفت القوى الإستكبارية الآلة الإعلامية للترويج لخطورة الشهيد سليماني على الأمن الدولي كغطاء لتبرير عملتها الشنعاء، التي، و للأسف، مرت بدون إدانة على الرغم من تحصل الممثل الخاص للأمم المتحدة على معلومات موثقة دفعته، و بشكل فردي، إلى الإعلان على أن عملية الإغتيال غیر قانونية وتعد إنتهاكا صارخا لحقوق الإنسان. غير أنه و على المستوى الرسمي، إلتزمت الأمم المتحدة الصمت ممتنعة عن تأدية واجباتها تجاه هذا العمل الإجرامی والانتهاک الصارخ للقوانین والقرارات الدولیة من قبل الولایات المتحدة التي تعدت على السیادة الوطنیة العراقیة، مغتالة قائدا أجنبیا داخل حدود دولة ثالثة، ما يثبت عبثية هذه المنظمات الدولية المتحاملة مع قوى الشر.

وفي الختام، ظنت قوى الإستكبار أنها بهذا الإغتيال الجبان حققت مبتغاها و كسرت شوكة المقاومين لكن هيهات، فما لم تعمل له أمريكا حساب هو أن كل أحرار العالم الإسلامي ولدوا من رحم المقاومة، ويحملون روحية الشهيد سليماني وكل الشهداء ، فدماء الشهداء الزكية و الطاهرة تحيي أمة و تزهر و تثمر شعوبا أبية مرابطة تأبى الخنوع للظلم. سيبقى إرث الشهيد سليماني، مهندس القوة الإقليمية في الشرق الأوسط، إلى الأبد مصدر إلهام للمناضلين ضد الإمبريالية والاستكبار العالمي. عجبا لهذا الرجل الذي يهابه أعدائه حتى بعد إستشهاده. فمنذ يومين، تطرقت صحيفة "إسرائيل هيوم" في تقرير لها، إلى ما أسمته "الإرث الذي تركه قاسم سليماني، والذي لا يزال خطراً"، بحسب رأيها، مشيرةً إلى أن "السائرين على دربه في أنحاء الشرق الأوسط سجلوا عدداً غير قليل من النجاحات هذا العام".

وبحسب الصحيفة، فإنّ "سليماني الذي كان قائداً لقوّة القدس، صدّر بنجاح قيم الثورة الإسلاميّة في أنحاء العالم العربي والإسلامي، ونجح في إيجاد حلفاء ذات قدرة في عدة جبهات، وبعضهم يَحدُّ عملياً إسرائيل".

 

انتهی/

رأیکم
الإسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: